الشيخ الأنصاري

305

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

والحاصل أن تعليل الأخذ بخلاف العامة في هذه الروايات بكونه أقرب إلى الواقع حتى أنه يجعل دليلا مستقلا عند فقد من يرجع إليه في البلد ظاهر في وجوب الترجيح بكل ما هو من قبيل هذه الأمارة في كون مضمونه مظنة الرشد فإذا انضم هذا الظهور إلى الظهور الذي ادعيناه في روايات الترجيح بالأصدقية والأوثقية فالظاهر أنه يحصل من المجموع دلالة لفظية تامة . ولعل هذا الظهور المحصل من مجموع الأخبار العلاجية هو الذي دعا أصحابنا إلى العمل بكل ما يوجب رجحان أحد الخبرين على الآخر بل يوجب في أحدهما مزية مفقودة في الآخر ولو بمجرد كون خلاف الحق في أحدهما أبعد منه في الآخر كما هو كذلك في كثير من المرجحات . فما ظنه بعض المتأخرين من أصحابنا على العلامة وغيره قدست أسرارهم من متابعهم في ذلك طريقة العامة ظن في غير المحل . ثم إن الاستفادة التي ذكرناها إن دخلت تحت الدلالة اللفظية فلا إشكال في الاعتماد عليها وإن لم يبلغ هذا الحد بل لم يكن إلا مجرد الإشعار كان مؤيدا لما ذكرناه من ظهور الاتفاق فإن لم يبلغ المجموع حد الحجية فلا أقل من كونها أمارة مفيدة للظن بالمدعى ولا بد من العمل به لأن التكليف بالترجيح بين المتعارضين ثابت لأن التخيير في جميع الموارد وعدم ملاحظة المرجحات يوجب مخالفة الواقع في كثير من الموارد لأنا نعلم بوجوب الأخذ ببعض الأخبار المتعارضة وطرح بعضها معينا والمرجحات المنصوصة في الأخبار غير وافية مع أن تلك الأخبار معارض بعضها بعضا بل بعضها غير معمول به بظاهره كمقبولة ابن حنظلة المتضمنة لتقديم الأعدلية على الشهرة ومخالفة العامة وموافقة الكتاب . وحاصل هذه المقدمات ثبوت التكليف بالترجيح وانتفاء المرجح اليقيني وانتفاء ما دل الشرع على كونه مرجحا فينحصر العمل في الظن بالمرجح فكل ما ظن أنه مرجح في نظر الشارع وجب الترجيح به وإلا لوجب ترك الترجيح أو العمل بما ظن من المتعارضين أن الشارع يرجح غيره عليه والأول مستلزم للعمل بالتخيير في موارد كثيرة نعلم التكليف بوجوب الترجيح والثاني ترجيح للمرجوح على الراجح في مقام وجوب البناء على أحدهما لأجل تعذر العلم على أحدهما وقبحه بديهي وحينئذ فإذا ظننا من الأمارات السابقة أن مجرد أقربية مضمون أحد الخبرين إلى الواقع مرجح في نظر الشارع تعين الأخذ به هذا . ولكن لمانع أن يمنع وجوب الترجيح بين المتعارضين الفاقدين للمرجحات المعلومة كالتراجيح الراجعة إلى الدلالة التي دل العرف على وجوب الترجيح بها كتقديم النص والأظهر على الظاهر .